مهارات العصر الحديث

قديما كان من الكافي أن تجيد القراءة والكتابة لكي تحصل على عمل جيد مجز, لقلة من كانوا يقرأون ويكتبون. ثم مع انتشار التعليم الجماعي وصار الأصل في الناس أنهم يقرأون ويكتبون, فقد تحولت القدرة على القراءة والكتابة من ضامن للنجاح الوظيفي إلى أول درجة في سلم التأهل والتدرب لسوق العمل, فبدونها لا يمكن أن يبدأ الإنسان في معرفة المهارات اللازمة لأي تخصص يحتاج إلى الاكتساب فيه فضلا عن أن يجد وظيفة أو مكانا مرموقا.
قد يبدو هذا الكلام تحصيل حاصل وكلنا يعرفه, ولكن هدفي منه أن أذكركم كيف أنه من الممكن لمهارة أن تكون هي القمة والمطلوبة لسنوات وسنوات ثم يتبدل الحال وتتغير الموازين وتصبح إما غير مطلوبة أو هي أصلا في أدنى درجات الاهتمام بسبب ظهور مجالات ومهارات جديدة تختلف كل الاختلاف, ولكل عصر ما فيه من مجالات وطفرات. ففي يومنا ومع التغيرالسريع المتلاحق, لم يعد من المجد أن نسعى لتكثير المعلومات وحشو المواد بالتفاصيل, فهذه لن تنتهي وتبقى في تجدد سريع وطويل, أما المطلوب حقا فهو حزمة من المهارات الشخصية والعقلية التي تعطي لصاحبها المرونة والتميز عن كل من تعلم تعليما تقليديا.
أطلق الخبراء والباحثون على المهارات المستجدة التي اكتسبت قيمة جديدة في عالمنا لقب “مهارات القرن الحادي والعشرين” وصار هذا اللقب علما على حزمة من المهارات التي صار من اللازم والضروري التحلي بها لتحقيق النجاح في بيئة مرنة كثيرة التغير كما هو حالنا اليوم. تنقسم مهارات القرن الحادي والعشرين إلى ثلاث دوائر متداخلة:
(1) مهارات معرفية عقلية. (2) مهارات شخصية ذاتية. (3) مهارات اجتماعية تفاعلية.
فلم يعد الذكاء وحده أو تحصيل المعرفة العلمية كافيا لتحقيق النجاح, بل لابد من العمل على تطوير متوازن ومتكامل لكل المهارات التي تقع في تلك التصنيفات الثلاثة. فالمهارات المعرفية تعبر عن منظورنا التقليدي للذكاء ( التفكير وتحليل المعلومات وحل المشكلات) والمهارات الشخصية تمثل سمات الشخصية الناجحة (إدارة الوقت, الالتزام, التحكم في النفس, المثابرة) وأخيرا حزمة المهارات التي تسمح للشخص أن يحسن التعامل مع من حوله (العمل في فريق, القيادة والتأثير, التواصل والإقناع, التفاوض, اللباقة).
هذه التصنيفات ليست جزرا منفصلة بطبيعة الحال, بل هي تتعاون وتتكامل وتتلاقي فيما بينها في مساحات مشتركة كثيرة. والمربي المجيد هو من يوظف العملية التعليمية بحيث تخدم هذه الجوانب وتعززها وتصبح عادات تلقائية لدى الطفل مع الوقت والممارسة.
فيما يلي قائمة منتقاة من هذه المهارات يجب أن يركز عليها الأبوين في رحلتهما التعليمية مع أطفالهم:

مهارات الإبداع: نحن في عصر الإبداع بلا شك, ومع تطور الآلات وإمكانيات الذكاء الصناعي وتحويل غالب المهام إلى مهام إلكترونية, صار من المهم جدا أن يكون بقدرة الإنسان الحديث أن يعمل وينتج بصورة إبداعية متميزة, حيث يقدم أفكارا جديدة ذات قيمة ونفع, ويؤدي مهامه بصورة تعجز عنها أحدث أجهزة الحاسب الآلي. يطمئننا علماء النفس إلى أن الإبداع ليس موهبة خالصة بل هو في الأساس مهارة عقلية يمكن التدرب عليها وممارستها بشكل يومي وتحسين القدرة على الإبداع بالتدريب الجيد المستمر.

مهارات التعلم: مع تطور العلوم وتشعبها وكثرة التخصصات, بل وكثرة التخصصات داخل كل تخصص, فقد صار من الطبيعي أن يحتاج الإنسان دائما لتعلم شيء جديد من أجل أن يظل ملائما للعمل في الوظائف التخصصية. فلما يعد التعلم فترة في العمر, بل صار نشاطا ملازما يحتاج الإنسان أن يكون كفئا فيه ومجيدا للتعلم الفعال.

مهارات التواصل الفعال: كيف تعبر عن نفسك؟ كيف تقدم لفكرتك؟ كيف تستمع لمداخلات الآخر وتدير حوارا؟ كيف تراسل جهة رسمية وما الفرق بين رسالة ترسلها لمديرك وأخرى ترسلها لصديق وثالثة ترسلها لأحد عملائك؟ كيف تقدم عرضا عن نفسك أو فكرتك؟ كيف تحرر مقالا أو فقرة تقديمية لموقعك؟ كيف تكتب سيرتك الذاتية وتمر بمقابلة عمل ناجحة؟ كيف تطلب المساعدة بطريقة فعالة؟ كيف تقبل أو ترفض طلبا بلباقة؟ كيف تشرح مفهوما أو تقدم محاضرة عن موضوع؟ كيف تقوم بالتفاوض والوصول لحلول وسط عند حصول اختلاف؟
يعد الخبراء الاقتصاديون مهارات التواصل الفعال كواحدة من أهم سمات الأشخاص الناجحين المؤثرين. وهي مثل الإبداع مهارات يمكن التدرب عليها وتنميتها بالجهد المتواصل. والجميل أنها مهارة عامة يمكن توظيفها في أي مجال دراسي أو علمي فيصبح التدريب جزءا من منظومة التعليم المرن بسهولة.

مهارات التفكير: كيف تنظم تفكيرك حول أي مشكلة؟ كيف تقوم بتفكيك أي موضوع لمواضيع فرعية؟ كيف تنتقد فكرة أو رأيا وتكتشف مكامن الخلط؟ كيف تتخذ قرار حول أي موقف بطريقة منظمة وشاملة؟ هذه الحزمة من المهارات والإمكانيات هي ما يتم جمعه تحت مسمى “مهارات التفكير” حيث يتعلم الإنسان كيف يقوم باستخدام التفكير كأداة فعالة منظمة. ويتعرف أكثر عن كيفية عمل مخه وكيفية تعامله مع الذكريات والمعلومات, ومتى يكون من السهل على الإنسان أن يقع في فخ من أفخاخ التفكير (Cognitive biases).

مهارات العمل في فريق: كيف تكون مديرا وقائدا لفريق؟ وكيف تكون مرؤسا جيدا وفعالا؟ كيف تكون زميل فريق متعاونا ومؤثرا؟ كيف تقوي من روح الفريق وتحسن الروابط بين أعضاءه؟ وماهي أصلا الأدوار والمواهب التي تكون فريقا متوازنا متكاملا؟ هذه المهارة هي من أهم مهارات النجاح في أي مجال تقريبا, فلم يعد بوسع أحد أن ينجح أو ينجز منفردا في هذا العصر, ولا بد أن يتدرب الإنسان ويعرف كيف يعيش في بيئة فريق ويتعامل مع باقي أعضاءه ليستخرج من الفريق أكبر إنتاجية وتوافق ممكنين.

مهارات إدارة الذات: هذه حزمة أخرى من المهارات المهمة التي تمنع الإنسان من الانسياق وراء نقاط ضعفه أو شططه, وتعينه على إصلاح مسار نفسه والسير بها بشكل متوازن مدروس. تتضمن هذه المهارات القدرة على إدارة الوقت والمال, القدرة على ضبط النفس والتحكم فيها, القدرة على استيعاب مشاعرك وفهمها وتحليل دوافعك الشخصية, القدرة على التحفيز الذاتي والتغلب على التسويف والمعوقات. هذه المهارات مهمة جدا لتحقيق الشخصية المتوازنة التي تتمكن من حمل النفس على الصعاب وتجاوز التحدي الداخلي من أجل مزيد من الإنتاج والتقدم.

مهارات التخطيط ووضع الأهداف: سواءٌ أكنت تخطط لنفسك و لإجازتك القادمة أو كنت تخطط لكيفية الاستعداد للامتحان أو كيفية أداء مهمة في وظيفتك أو كنت مديرا تخطط شركتك, فأنت بحاجة لأن تكون ماهرا بالتخطيط, قادرا على تحديد أهداف واقعية وعملية, وتستطيع أن تقوم بتكسير المهام الكبيرة لأهداف قابلة للتحقيق في وقت محدد على أن تتكامل هذه الأهداف بحيث تصل إلى صورة كبيرة صحيحة. هذه مهارة من أهم مهارات النجاح والتفوق, فحتى الطباخ الماهر يخطط جيدا لوليمته, والمدرس الماهر يخطط لتحقيق الأهداف التعليمية, والمتعلم يخطط ليستفيد من وقت دراسته بأقصى حد.

مهارات إدارة المعلومات: التعامل مع المعلومات على كثرتها وتنوعها بل وتضاربها أحيانا يحتاج لمهارات معرفية خاصة, فلابد من قدرة على التصنيف, والربط بينها والقدرة أيضا على البحث عن المعلومة أصلا, ومعرفة مظانها ومصادرها. كذلك ترتيب المعلومات ومعرفة ما منها على الآخر, والقدرة على فصل المعلومات المرتبطة بموضوع معين مما لا تأثير له في القرار حول ذلك الموضوع. هذه من المهارات التي تحمينا أثناء اتخاذ أي قرار من الوقوع في فخ الحكم بجهل لقلة المعلومات أو التشتت والانزلاق خلف معلومات كثيرة ولكنها لا تفيد في تقييم الموقف.

مهارات التعامل مع التقنية: نعني بالتقنية الحديثة تلك المتمثلة في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية ونظم الحاسب وشبكة الإنترنت والخدمات المقدمة عليها. فلم يعد هناك مفر من التعامل مع تلك التقنية كمستهلك لها أو كمنتج باستخدامها أو حتى كمبرمج يكون هو من يقدم ويخلق هذه التقنيات والخدمات. فحتى لو لم يتخصص الطفل لاحقا في مهنة تقنية كالبرمجة أو تصميم المواقع والتطبيقات, فلابد أنه يوما ما سيحتاج للتعامل مع هذه الخدمات بكفاءة وقدرة وثقة, ولابد أن يكون عنده قدر من الفهم والاستيعاب لكيفية عمل هذه التقنيات ومتابعة للتطورات الحاصلة والتي تؤثر تأثيرا كبيرا على الحياة اليومية وسوق العمل في كافة المجالات والتخصصات.

كما ترون فهذه المهارات كثيرة ومتشعبة وتبدو كما لو كانت معقدة أو أكثر مما يمكن تحصيله في العمر بأكمله. ولكن ينبغي إدراك أنه مع إدماج هذه المهارات بشكل متدرج في العملية التعليمية فإننا نستطيع استغلال 15 أو 16 عاما من حياة الطفل كان يضيعها في المدرسة فقط مع إهمال هذه المهارات أو التعرض لها بشكل سطحي. ثم يأتي المتخرج الحديث من الجامعة ونجده لا يجيد إدارة وقته أو ماله, لا يستطيع أن يقدم نفسه جيدا في مقابلة العمل, بل وأحيانا لا يستطيع أن يحدد لنفسه مسارا مهنيا أو خطة للتطوير المهني مع الوقت. في التعليم المنزلي يكون هدف التعليم هو الحياة ولهذا يجب أن تكون هذه المهارات جزءا أساسيا منه لكي نعد الطفل لمستقبل متغير ومتلاحق الأحداث.

وأخيرا نسأل السؤال: إذا كنت مقتنعا بأهمية هذه المهارات وقيمتها, فما مدى ثقتك في قدرة المدرسة على تنميتها وغرسها في طفلك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *